عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
46
اللباب في علوم الكتاب
فصل : [ في معنى قوله : « وكثير من الناس . . » ] « 1 » قال ابن عباس في رواية عطاء : « وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ » يوحده ، « وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ » ممن لا يوحده ، وروي عنه أنه قال : « وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ » في الجنة . وهذه الرواية تؤكد أن قوله « وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ » مبتدأ وخبره محذوف . وقال آخرون الوقف على قوله « وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ » ثم استأنف بواو الاستئناف فقال : « وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ » . ( وأما قوله تعالى وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ) « 2 » ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم « 3 » مكرما لهم . ثم بين بقوله « إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ » أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب . قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 19 إلى 24 ] هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ( 19 ) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ( 20 ) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ( 21 ) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 22 ) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 23 ) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ ( 24 ) قوله تعالى : « هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ » الآية . لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد للّه ، ومنهم من حق عليه العذاب ذكر هاهنا كيفية اختصامهم . والخصم : في الأصل مصدر ولذلك يوحد ويذكر غالبا ، وعليه قوله تعالى « نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا » « 4 » . ويجوز أن يثنى ويجمع ويؤنث ، وعليه هذه الآية . ولما كان كل خصم فريقا يجمع طائفة قال « اخْتَصَمُوا » بصيغة الجمع كقوله : « وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا » « 5 » فالجمع مراعاة للمعنى « 6 » وقرأ ابن أبي عبلة « اختصما » « 7 » مراعاة للفظ وهي مخالفة للسواد . وقال أبو البقاء : وأكثر الاستعمال توحيده فيمن ثناه « 8 » وجمعه حمله على الصفات والأسماء . و « اخْتَصَمُوا » إنما جمع حملا على المعنى لأن كل خصم « 9 » تحته أشخاص « 10 » .
--> ( 1 ) هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 21 . ( 2 ) ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي . ( 3 ) في ب : عليهم . وهو تحريف . ( 4 ) في ب : تور . وهو تحريف . من قوله تعالى : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ ص : 21 ] . ( 5 ) [ الحجرات : 9 ] . ( 6 ) انظر البحر المحيط 6 / 360 . ( 7 ) المرجع السابق . ( 8 ) في ب : ثنى . وهو تحريف . ( 9 ) في الأصل : شخص . وهو تحريف . ( 10 ) التبيان 2 / 937 .